إعلان هام

السادة زوار موقع السفارة اللبنانية في القاهرة يرجى الإنتباه إلى أنه تم نقل الموقع الإليكتروني للسفارة إلى العنوان التالي

http://www.cairo.mfa.gov.lb/egypt/arabic/home

سيتم نقلك الى الموقع الجديد خلال ثوان

أخبار عن لبنان

ظلال الأرز في وادي النيل

3/31/2013 11:53 am

"ظلال الأرز في وادي النيل"
هجرة اللبنانيين ونهضة مصر


سليمان بختي
يقول المؤلف الموسيقي فيردي "العودة إلى القديم ستكون تقدماً" وها نحن نعود لنرى ونستشرف أين كنا؟ وأين نحن؟ والى أين؟ ينطلق هذا الكتاب ليروي حكاية شخصية جداً وعامة جداً. حب كبير لوالد هو الياس يواكيم عاش ومات وفي قلبه حبان كبيران لمصر ولبنان. وبعض الوفاء لابن رأى والده يلهج بلسان المحب عن مصر ولبنان. فوثق لكل ذلك واستقصى المعلومات وجمعها فيما يشبه الانطولوجيا الموسعة لحدث هو لعمري حدث رائع في تاريخ البلدان والعمران.
كتاب "ظلال الارز في وادي النيل لبنانيون في مصر" هو حكاية أثيرة من حكايات الهجرة المضيئة في ليل هذا المشرق الطويل. انه سيرة عدد من الشخصيات اللبنانية "الشوام" التي عاشت في مصر وساهمت بفعالية في نهضة الحياة الثقافية والصحافية فيها.
من هم هؤلاء الذين هاجروا؟ وما السبيل الذي دفعهم إلى الهجرة؟ تؤكد الباحثة سلمى مرشاق سليم، وهي من شوام مصر وتقيم في لبنان، أن الذين هاجروا إلى مصر كانوا من نخبة النخبة. والا كيف نفسر عدد الصحف والدوريات التي بلغت 119 صحيفة أو مجلة بحسب إحصاء المؤرخ الصحافي جوزف الياس في محاضرته عن "دور اللبنانيين في صحافة وادي النيل". أما دافعهم إلى الهجرة فيصوره هذا البيت لنزار قباني خير تصوير "أنا حريتي فان سلبوها تسقط الارض دونها والسماء".
نعم، هاجروا لأجل الحرية والرزق فصنعوا النهضة، وسافروا هرباً من الظلم والظلام والظلاميين، وحققوا الضوء والتنوير والابداع، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. وعسى أن نستعيد دوماً هذه الصور والظلال وتكون لنا دائماً نشأة مستأنفة. لأن دور اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً، على ما يقول المؤرخ كمال الصليبي، هو في التربية والتعليم والثقافة والتنوير في العالم العربي.
انطلقوا في ارض الكنانة مصر حتى صح فيهم قول حافظ ابراهيم
"ما عابهم انهم في الأرض قد نثروا
فالشهب منثورة مذ كانت الشهب
رادوا المناهل في الدنيا ولو
وجدوا إلى المجرة ركباً صاعداً ركبوا"
أو ما كتبه شكري الخوري في جريدة "أبو الهول": لو كان للقمر طريق لرأيت الواصلين اليه اثنين: الأول يحمل كشة والآخر قلماً ودواة لينشئ مدرسة أو جريدة في القمر، والإثنان من بلاد مباركة تدعى لبنان".
ولكن لماذا لم يقدروا ان يحققوا كل ذلك في لبنان؟ يعلل فارس يواكيم ذلك بأن المناخ السياسي في لبنان لم يسمح بنمو الحركة الثقافية والاعلامية، وان مصر كانت تتمتع بشيء من الحكم الذاتي وهذا كان عامل جذب واستقطاب، وبالتالي أسس لنهضة ثقافية وصحافية. ولم تشكل الجالية اللبنانية حزباً أو تياراً فظلت أفراداً والتعامل معهم لم يكن بالجملة، أو كجهة واحدة، وانما تعاملت مصر معهم كأفراد وحسب موقف كل منهم ازاء كل حالة بعينها.
ولكن ما أذهلني في الكتاب هو من صنفهم المؤلف تحت خانة أهل النضال، وهم:
[ انطوان مارون مؤسس أول اتحاد لنقابات العمال المصريين وحتى وفاته مضرباً عن الطعام في 1925.
[ رفيق جبور، من المشاركين في تأسيس الحزب الاشتراكي المصري وأُبعد إلى بيروت في 1926 وتوفي في يافا وكان رئيس تحرير جريدة "فلسطين".
[ فؤاد الشمالي وكان أحد أبرز الناشطين في الحركة النقابية الشيوعية في لبنان وكان بدأ نشاطه في القاهرة.
وهذا يلقي الضوء على الدور السياسي الذي لعبوه، وعلى مدى عمق هذاالدور وفعاليته.
اما النقطة الثانية الجدلية التي سأتوقف عندها في الكتاب فهي قصة التجديد في الادب العربي. ونكتشف هنا أن الكتاب يثبت دور اللبنانيين في مصر ومساهمتهم التجديد في الأدب، اذ كانوا بالفعل بذور التجديد الحقيقية في الادب العربي، ونذكر منهم: خليل مطران، بشر فارس، مي زيادة، ابراهم اليازجي، فليكس فارس، فؤاد الحداد.
يؤكد فارس يواكيم، أن إبداع اللبنانيين مصرياً يؤرخ في سجل الثقافة المصرية، وهذا صحيح، ولكن يسجل ايضاً في سجل الثقافة العربية ونهضتها. لأننا حتى اليوم ما زلنا نتلفت تارة إلى القاهرة وطوراً إلى بيروت لنعرف ما الجديد في العالم العربي.
يبذل فارس يواكيم الجهد البين لتغطية حقبة ربما من أغنى الحقب فيما بين مصر ولبنان ويرفدها بالمعلومات الوفيرة. هذا الكتاب هو وثيقة في الذاكرة الحضارية وفي التاريخ الثقافي والاجتماعي لمصر ولبنان. كتاب يتغذى بالذكريات الخاصة لتجربة الكاتب في الموضوع، ومع والده، وأيضاً من خزان الذكريات الشخصية والمهنية التي عاشها الكاتب، كما مع الفنان عبد السلام النابلسي.
تبقى الملاحظة عن النقص، والموضوع يحتاج إلى أكثر من بحث، النقص الحاصل في الاسماء. وهذا النقص بدأه المؤرخ مسعود ضاهر في كتابه "هجرة الشوام إلى مصر" (الصادر عام 1985 منشورات الجامعة اللبنانية) إذ لم يذكر إلا لماماً أسماء الممثلين والمخرجين والسينمائيين والمسرحيين ودورهم في نهضة فنية مشهودة عرفتها مصر في القرن التاسع عشر والقرن العشرين. في كتاب يواكيم ثمة نقص في بعض الاسماء ونذكر المخرج هنري بركات، وعزاه لعدم تثبته من الإنتماء، وقد ذكره الناقد ابراهيم العريس في مقالة بعنوان "دور اللبنانيين في الحياة الفنية المصرية"، كذلك لم يذكر الممثل عمر الشريف ولا فايزة أحمد ولا محمد البكار. وثمة نقص آخر في بلاط الصحافة اذ لم يذكر يواكيم إسم أول الواصلين إلى أرض النيل لويس الصابونجي ومجلته النحلة الحرة 1871 ولا إستير أزهري ومجلتها "العائلة" 1899 ولا سليم حبالين "الامة"، "العدل"، "الوظيفة"، ولا ابراهيم نجار: "المصباح الجديد"، "الكلمة الحرة"، "الكلمة الحقة"، ولا اسكندر شلهوب الذي أسس "الرأي العام"، "الفترة"، "السلطنة"، "العصر الجديد". ولا نجيب غرغور: "الببغاء"، "حديقة المنارة"، "الابتسام"، "ابو نواس"، "العالم الجديد". إضافة إلى الصحافيين مثل يوسف آصاف الذي كان يصدر دورية تشبه AL Manac وتوفيق الشمالي الذي عمل في الأهرام والمقطم. وماري كاترين بولاد التي كانت تكتب بالفرنسية، وترجم لها وديع فلسطين بعض الكتابات. ولا أسبيرو الجسري، الذي غير اسمه إلى سامي الجسري، وكان سكرتير تحرير المقتطف. وهذه كلها أمور، ربما، يمكن استدراكها في طبعة ثانية فريدة ومنقحة لأهمية الموضوع.
وبعد، ينطلق هذا الكتاب من الحرية ويصب في النهضة، ولعله أحلى مسار. كانت هجرة مستحبة معطاءة في أقاليم النهار، وتركت أثرها في الصحف وتسمياتها واتجاهاتها، وفي الهوية الثقافية، في زمن كانت فيه هجرة إلى أميركا وهجرة إلى أوروبا وهجرة إلى اسطنبول ولكن الهجرة الأغنى كانت إلى مصر.
في كلمة لشيخ النقاد مارون عبود، مؤرخاً النهضة، يؤكد فيها ان النهضة نهضتان، أولى أسبق زمناً كانت على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، والأخرى لاحقة جاءت أعم وأشمل وكانت على ضفاف النيل. إنها تماماً كما وصفها الكاتب فارس يواكيم "ظلال الأرز في وادي النيل" أي سؤال الحرية وسؤال النهضة.
وأخيراً، هل أستطيع أن أمرر في الخاتمة ما كنت لأحب همسه في أذن فارس يواكيم، وهو أن مناجم الذهب توجد دائماً في ما وراء الحدود. ولكن علينا أن نحمله من هنا إلى هناك ليشع ويتوهج. هل كان لا بد من الهجرة أو على طريقة أهل الصوفية "كان لا بد من الرحلة" ولعلها، كما ظهر، كانت رحلة مؤسسة وموفقة ومستحقة ومستعادة على طريق التقدم والنهوض.
[ظلال الارز في وادي النيل
[لبنانيون في مصر.
[دار الفارابي، في 272 صفحة